إن ما يجري داخل مجلس جهة سوس ماسة ليس مجرد خلاف سياسي عابر أو تباين في المواقف بين مكونات المجلس، بل أصبح يلامس جوهر ورش الجهوية المتقدمة نفسه. فحين تتحول الخلافات الحزبية، مهما كانت دوافعها، إلى وسيلة لتعطيل مؤسسة منتخبة يفترض أن تكون في طليعة الفعل التنموي، فإن الأمر يستدعي التوقف عند حدود الممارسة السياسية ومدى استحضار المسؤولية المرتبطة بالتفويض الانتخابي.
فالجهوية المتقدمة، كما أرادها عاهل البلاد، لم تُبنَ لتكون مجالاً لتصفية الحسابات أو لتبادل الضغوط حول المواقع والمصالح، وإنما جاءت لتقريب القرار من المواطنين، وتقوية قدرة الجهات على المبادرة وإنجاز المشاريع والاستجابة لحاجيات الساكنة.
ومن ثم، فإن تعطيل أشغال المجلس أو عرقلة اتخاذ القرار، أياً كانت الجهة التي تقف وراءه، يطرح سؤالاً مشروعاً حول الأولويات: هل الأولوية هي حماية مسار التنمية أم إدارة الخلافات الحزبية والامتيازات الشخصية؟
ومن حق أي مكون سياسي أن يعارض، وأن ينتقد، وأن يرفض اتفاقية أو مشروعاً أو توجهاً معيناً، لكن المعارضة الحقيقية تُمارس داخل المؤسسة، بالحجة والموقف والتصويت، وتتحمل مسؤولية نتائج مواقفها أمام الرأي العام، أما تحويل النصاب أو الحضور إلى أداة للضغط السياسي، فيضع المؤسسة برمتها أمام خطر فقدان قدرتها على أداء أدوارها.
والأخطر أن المواطن لا يعنيه في النهاية حجم الخلافات داخل التحالفات الحزبية وما مدى استفادة عضو أو آخر من امتياز معين بقدر ما يعنيه أن يرى المشاريع تنجز، والبرامج تنفذ، والموارد تستثمر، والجهة تتحرك بالسرعة التي تفرضها انتظاراتها التنموية.
إن ورش الجهوية المتقدمة يحتاج إلى نخب سياسية تملك شجاعة الاختلاف، ولكن أيضاً شجاعة تحمل المسؤولية والتعفف والترفع على الامتيازات الشخصية؛ نخب تدرك أن المنصب الانتخابي ليس امتيازاً ولا أداة للضغط، وإنما أمانة مرتبطة بمصالح المواطنين.
وفي سوس ماسة، حيث تتراكم انتظارات الساكنة وتتعدد التحديات التنموية، لا ينبغي أن تتحول المؤسسات الجهوية إلى رهينة للخلافات الحزبية. فالسياسة يمكن أن تختلف، والتحالفات يمكن أن تتغير، لكن مسار التنمية لا ينبغي أن يتوقف كلما احتدمت الحسابات السياسية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع النخب المنتخبة في سوس ماسة أن ترتقي بالخلاف السياسي إلى مستوى المسؤولية التي يفرضها ورش الجهوية المتقدمة، أم ستظل المؤسسة الجهوية أسيرة لحسابات ظرفية لا علاقة لها بانتظارات المواطنين.

